عبد الفتاح اسماعيل شلبي

44

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

الفصل الثاني أبو علي في عيشه ونفسه هذا بحث عسير ، والسبيل إليه أشد مشقة وعسرا : إذ كيف يجلى الباحث شخصية مثل شخصية أبى على الفارسي العالم اللغوي النحوي ؟ لو كان أبو علي أديبا - كاتبا أو شاعرا - لاستطعت التعرف عليه من خطرات نفسه ، وهواجس حسه ، فإن آثار الأديب صورة لما اعتمل في نفسه من خواطر وأحاسيس ، وأمر آخر يجعل هذه الدراسة شاقة عسيره : ذلك أن أبا على لم يحظ من المترجمين الأولين - كابن النديم في الفهرست ، والزبيدي في الطبقات - إلا بأسطر لا تنقع غلة الباحث ، ولا تروى منه ظمأ ، فلم يزد الزبيدي على ذكر طرف من اتصالاته ببعض أمراء الدويلات في عصره في سطر ونصف « 1 » ، وأورد ابن النديم ترجمة في نحو ثلاثة أسطر ذكر فيها بعض تآليفه ثم أخطأ في تاريخ وفاته « 2 » ، هذا غاية ما كتبه المعاصرون لأبى على عنه ، وهو من القلة والتشويه كما ترون . أما ما كتبه المتأخرون فهو أشتات من أنباء مقتضبة ، ثم هي مطلقة مرسلة يعوزها التحقيق وتحتاج إلى دليل فما عساى - بعد هذا - أن أصنع في تجلية عيش أبى على ونفسه ؟ وكيف يستقيم لي أن أتحدث عن بيئة أبى على المكانية وصفاته العقلية والخلقية . . . الخ والدراسة الحديثة تحتم على التحليل الدقيق حتى لو استطعت إحصاء أنفاسه فعلت ؟ ومن هنا جاءت المشقة والعسرة ، وهما أمر طبعى ، فطريق الباحثين لم تفرش بالورود ، هي وعرة وشائكة ، وإذن لا بد من المطاولة والمصابرة والمعاناة في استفتاء النصوص ، واستكناه الأحداث ، واستشفاف ما توحى به الآثار ، والمقابلة بين مختلف الأخبار حتى أمثل أبا على بشرا سويا ، وأطوع ما كان منه عصيا ، وذلك ما أنا في سبيلي إليه . . .

--> ( 1 ) انظر طبقات الزبيدي 130 . ( 2 ) انظر الفهرست 95 .